أبي منصور الماتريدي

270

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً [ الأنعام : 80 ] أي : لا أخاف ما تشركون به ؛ إلا أن يكون مني ما أستوجب ذلك بزلة ؛ فيشاء الله ذلك مني . وقوله - عزّ وجل - : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ . الدرجات : هن الفضائل ؛ يرفع بعضهم فوق بعض بالنبوة والعلم ، وفي كل شيء . وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . ما من عالم وإن لطف علمه وكثر إلا قد يكون فوقه من هو ألطف علما منه وأكثر وأعلم في شيء أو يكون قوله : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وهو الله تعالى ؛ فوق كل ذي علم ؛ يعلمهم العلم ، والله أعلم . من يقول : إنه عالم إلا بعلم يحتج بظاهر هذه الآية ؛ حيث قال : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أثبت لغيره العلم ولم يذكر لنفسه ؛ بل قال : عَلِيمٌ ؛ لكنه إذا قال : عَلِيمٌ أثبت العلم ولأنه إذا قال : وفوق كل العلماء عليم يكون كذلك . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ . قال بعض أهل التأويل : كانت سرقته : أنه كان صنم من ذهب لجده أبي أمّه يعبده ؛ فسرق ذلك منه لئلا يعبد دون الله « 1 » ، ولكنا لا نعلم ذلك ؛ ونعلم أنهم كذبوا في قولهم فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وأرادوا أن يتبرءوا منه ، وينفوا ذلك عن أنفسهم ، ليعلم أنه ليس منهم . فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً عند الله . قيل : إن يوسف أسر هذه الكلمة « 2 » في نفسه ؛ لم يظهرها لهم أو أسر ما اتهموه بالسرقة . وجائز أن يكون قولهم : إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ خاطبوا به أخاه بنيامين دون يوسف : [ إن سرقت ] « 3 » فقد سرق أخ له من قبل ؛ يقولون فيما بينهم . وقد ذكر في بعض الحروف « 4 » : إن يسرق فقد سرق أخ لهم من قبل بالتشديد فإن

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 265 ) عن كل من : سعيد بن جبير ( 19605 ) ، وقتادة ( 19606 ، 19607 ) ، وابن جريج ( 19608 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 53 - 54 ) وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا ، وزاد نسبته لأبي الشيخ عن ابن جريج ، لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم بمثله عن زيد بن أسلم . ( 2 ) في أ : هذا القول . ( 3 ) في ب : أسرقت . ( 4 ) الجمهور على سَرَقَ مخففا مبنيا للفاعل ، وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي ، وابن أبي شريح عن الكسائي ، والوليد بن حسان عن يعقوب في آخرين : سَرَقَ مشددا مبنيّا للمفعول ، أي : نسب إلى السرقة ؛ لأنه ورد في التفسير أن عمّته ربّته ، فأخذه أبوه منها ، فشدت في وسطه منطقة كانوا -